منتديات العالم الرقمي / digital world


منتدى العالم الرقمي عام يهتم بالثقافة والتكنولوجيا والعلوم ويحافظ على الضوابط الاسلامية
 
الرئيسيةاليوميةالأحداثالمنشوراتس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» شاهد كيف يظهر الإعصار من الفضاء
الأربعاء أكتوبر 10, 2018 4:35 pm من طرف digital world

» سورة البقرة كاملة - طاردة الشياطين - الشيخ احمد العجمي surat al baqara مكتوبة Sheikh Ahmed Al Ajmi
الأربعاء أكتوبر 10, 2018 4:29 pm من طرف digital world

» من رواية الأخدود ( مدن الملح )
الثلاثاء أكتوبر 09, 2018 5:33 am من طرف digital world

» موضوعك الأول
الثلاثاء أكتوبر 09, 2018 3:42 am من طرف digital world

نوفمبر 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 
اليوميةاليومية
أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

 من رواية الأخدود ( مدن الملح )

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
digital world
نائب المدير العام
نائب المدير العام
avatar

المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 09/10/2018
الموقع : https://digitalworld1982.blogspot.com/

مُساهمةموضوع: من رواية الأخدود ( مدن الملح )   الثلاثاء أكتوبر 09, 2018 5:33 am

Rolling Eyes عبدالرحمن منيف
في وقت من الأوقات كانت حران مدينة الصيادين والمسافرين العائدين، أما الآن فلم تعد مدينة لأحد. أصبح الناس فيها بلا ملامح. إنهم كل الأجناس ولا جنس لهم. إنهم كل البشر ولا إنسان. اللغات إلى جانب اللهجات والألوان والديانات. الأموال فيها وتحتها لا تشبه أية أموال أخرى. ومع ذلك لا أحد غنيا أو يمكن أن يكون كذلك. كل من فيها يركض، لكن لا أحد يعرف إلى أين أو إلى متى. تشبه خلية النحل وتشبه المقبرة. حتى التحية فيها لا تشبه التحية في أي مكان آخر، إذ ما يكاد الرجل يلقي السلام حتى يتفرس في الوجوه التي تتطلع إليه، وقد امتلأ خوفا من أن يقع شيء ما بين السلام ورد السلام.


هكذا رآها محمد عيد وهو ينظر إليها من جديد. لقد عاش هنا سنوات عديدة. عاش البداية كلها. رأى الأحجار وهي تركب بعضها وترتفع لتصبح بنايات عالية. ورأى الشوارع وهي تشق لتصبح مسالك للبشر والدواب والسيارات. ثم رأى الدكاكين والمطاعم وهي تتوالد مثل الفطر. ورأى دار الإمارة والقيادة ومستشفى الشفاء. أما الآن وهو يصلها لكي يستقر فيها مرة أخرى، وعندما ينزلق في فندق زهرة الصحراء، ثم يتجول في الأسواق والأحياء، فإنه ينكر تماما أنه كان هنا. لا يعرف شيئا. لا يعرف أحدا. ولاشيء مثلما كان من قبل. حتى دار الإمارة، على التل الشمالي، أصبحت الآن سجن حران المركزي. أما القيادة العامة التي كانت مقرا لجوهر فقد تحولت إلى مخفر للشرطة.

مستشفى الشفاء، الذي قضى فيه معظم وقته حين كان في حران، تحول الآن إلى مستشفى الغرباء. أما عيادة الدكتور المحملجي فقد أصبحت مصبغة الشرق للتنظيف على البخار. ومكان مقهى الأصدقاء قامت عمارة البهلوان. أما شارع الراشدي فقد هدم القسم الأكبر منه ثم أعيد بناؤه من جديد. صحيح أنه احتفظ بالاسم، لكن الكثيرين أطلقوا عليه اسما آخر: السوق العتيق.

دار الإمارة عند المطالع، على طريق عجرة. أما دار الأمير فقد أصبحت في الناحية الثانية من المدينة، فمنذ أن لم تعد حران سوى المصافي وميناء التحميل والدخان، بنى الأميركيون مدينة جديدة إلى الشرق، على مسافة اثني عشر ميلا. وحملت هذه المدينة اسم المكان الذي شيدت عليه: راس الطواشي. وفي المدينة الجديدة قامت أحياء التجار والأغنياء وكبار الموظفين، غير بعيد عن الأحياء التي يسكنها الأميركيون. وهناك أقيمت الدار الجديدة للأمير.

أما الأحياء التي كانت على التلال الغربية، وقد أطلق عليها في البداية "حران العرب،" فقد تحولت شيئا فشيئا إلى أسواق تجارية، بعد أن هدمت وأعيد بناؤها أكثر من مرة. وتفرق أهل حران والناس الذين سكنوا هذه الأحياء في أنحاء متعددة، وراء التلال وقريبا من المحاجر. ومعسكر العمال الذي كان في ذاك المكان المتوسط بين حران الأميركان وحران العرب أصبح الآن مستودعا كبيرا للآلات والمعدات، وفي جانب منه تراكمت بقايا السيارات والإطارات القديمة والبراميل. وقد حصل هذا نتيجة موت عدد من العمال اختناقا، بعد أن أخذت تتساقط فوق المعسكر الغازات المتولدة من المصافي. نقل العمال إلى مكان بعيد بين حران وراس الطواشي.

وما يقال عن هذه الأماكن يقال أيضا عن كل الأماكن. حتى الجامع الذي يفخر الحكيم أنه تبرع بمبلغ كبير من أجل تشييده، والذي ما زال في مكانه، دب إليه الهرم، وأصبح قبيحا أميل إلى السواد. وأحاطت به مجموعة من الأبنية العالية، وغطته طبقات من الدخان والغبار. ولما سأل محمد عيد عن فرن عبدو محمد، وعن أبي كامل اللحام، حاول الذين سألهم أن يتذكروا متى هدم الفرن والمجزرة، ولكنهم لم يكونوا متأكدين من إجاباتهم. وبعضهم لم يتذكر أبدا.

حتى المقبرة لم تبق مكانها، فبعد أن أعطى الأمير الجديد، عبد الله الشبلي، أهل حران ومن لهم من موتى في هذا المكان، فرصة خمسة عشر يوما ليرفعوا عظام مواتهم من هذه القبور، جاءت آلات ودرست ما بقي ومن تبقى، ورغم أن ابن نفاع صرخ وشتم وبصق في وجوه سواق الآلات، لم يجد حلا في النهاية سوى أن يركض مع عدد من الفقراء ليرفعوا عظام بعض الموتى قبل أن تدوسها وتمزقها الآلات. أما ابن نفاع ذاته فقد مات بعد أيام قليلة من "افتتاح" المقبرة الجديدة على طريق عجرة وتسويرها بسور عال.

قال محمد عبد لنفسه وهو يتجول في الأسواق: "رائحتها لا تطاق. تشبه رائحة الموتى." وبدأ يتذكر من جديد: "لا تشبه أية مدينة أخرى، ولا تشبه نفسها، والناس فيها اجتمعوا بالصدفة، ولن يستمروا طويلا، تماما مثل ركاب سيارات عبود السالك."

وحران بمقدرا ضجة نهارها، فإنها في الليل، في ظل اللهب الذي تبثه المصفاة، مدينة الأشباح والصمت، إذ ما عدا صافرات البواخر وهدير المحركات، التي تصل ميناء التحميل، والذي لا يبعد أكثر من ميلين، يظن الإنسان أنها جزء من الصحراء التي تليها. حتى الأنوار المنبعثة من أعمدة الشوارع تبدو كابية لا ترى تحت وهج الكتلة البرتقالية المسودة التي تشكل سقفا هائلا للمدينة وما حولها.

وإذا كان محمد عيد قد احتمل أصياف حران سنينا عديدة، فإنه الآن، وهو يصلها، يشعر بالاختناق، ليس من الحرارة وحدها، وإنما من الجو الثقيل المنتن، الذي هو مزيج من كل الأشياء معا: البترول والبهارات والكبريت والصحراء والغبار وبقايا الأكل والأسماك الميتة وإطارات السيارات المحروقة، إضافة إلى رائحة البشر، فيصبح الجو عندئذ كريها لا يطاق. كانت حران في وقت سابق أكثر رحمة، وكان بإمكان الإنسان أن يتعود عليها أو يحتملها. الآن، وفي ظل الحالة النفسية التي تسيطر عليه، تصبح مدينة معادية، قاهرة، وأشبه ما تكون بالقبر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://digitalworld1982.blogspot.com/
 
من رواية الأخدود ( مدن الملح )
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات العالم الرقمي / digital world :: الفئة الأولى :: المنتدى الثقافي-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: